الحركة الإبراهيمية في العراق
كلمات العالم السني أبو موسى العراقي وبمشاركة الأستاذ المعلم توم ويغنر
بحث تحت عنوان: عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للإلغاء
قال تعالى:
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾
(الأعراف: 137)
مسيرة الرجاء من أرض إبراهيم العراق نحو عهد السلام والتعايش اليهودي والمسيحي والإسلامي
من بلاد الرافدين، يمكن أن تبدأ رسالة جديدة للشرق الأوسط؛ رسالة تستعيد معنى العهد الإلهي، وتعيد قراءة العلاقة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين بعيدًا عن منطق الكراهية والصراع الديني، وتبحث عن طريق يجعل من الإرث الإبراهيمي أساسًا للتعارف والتعايش والسلام والمحبة.
تأتي هذه الرؤية في لحظة ذات دلالة خاصة مع صدور وثيقة الفاتيكان «مسيرة رجاء: ستون عامًا من الحوار بين الأديان» في سبتمبر/أيلول 2026. فالوثيقة تأتي وتؤكد استمرار المسار في الحوار مع اليهود والمسلمين وسائر أتباع الأديان، كما تؤكد أن عهد الله مع الشعب اليهودي غير قابل للإلغاء، وفي الوقت نفسه تدعو إلى بناء الجسور وتعميق الأخوّة وتحويل الحوار الديني إلى تعاون عملي من أجل السلام.
ولا تعني هذه العبارة أن الفاتيكان أعلن عهدًا دينيًا جديدًا بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، بل تؤكد استمرار موقف مسيحي لاهوتي من العلاقة مع الشعب اليهودي. أما الإسلام فله منظومته العقدية الخاصة، التي يحتل فيها إبراهيم وموسى عليهما السلام وبنو إسرائيل أرضًا وشعبًا والأنبياء والكتب السماوية موقعًا بارزًا.
ومن هنا تبدأ نقطة الالتقاء: ليس المطلوب توحيد العقائد، وإنما بناء السلام بين أصحاب العقائد التي تنتمي لملة إبراهيم.
إبراهيم: نقطة البداية المشتركة
إبراهيم في القرآن ليس شخصية هامشية، بل أحد أعظم رموز التوحيد.
قال تعالى:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
(النحل: 120–121)
وقد وضع القرآن إبراهيم في قلب العلاقة الروحية والعقدية، وهذا يمنحه مكانة يمكن أن تتحول في عصرنا إلى جسر حضاري بين التقاليد الإبراهيمية، دون أن يعني ذلك إلغاء الفروق العقائدية بينها.
العهد في المنظور القرآني
وإذا كانت وثيقة الفاتيكان تتحدث عن عدم قابلية إلغاء عهد الله مع الشعب اليهودي في اللاهوت، فإن مفهوم العهد نفسه حاضر بقوة في القرآن.
يقول الله تعالى:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
(البقرة: 40)
وهكذا يصبح العهد في المنظور القرآني مسؤولية أخلاقية وروحية، تستمد من العهد الإلهي الأبدي، وليس مجرد اتفاق يمكن التخلي عنه عندما تتغير الظروف. وهنا تظهر ساحة مهمة للحوار بين التقاليد الإبراهيمية: العهد يعني الوفاء، والوفاء أساس الثقة.
بنو إسرائيل والكتاب والنبوة
يذكر القرآن نعم الله عليهم، وما أُعطي لهم من كتاب ونبوة وحكم.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
(الجاثية: 16)
وقال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
(السجدة: 24)
ويذكر القرآن التوراة:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾
(المائدة: 44)
كما يذكر عددًا كبيرًا من أنبياء بني إسرائيل، ومنهم موسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى عليهم السلام. وذكر القرآن 16 نبيًا منهم من مجموع 25 نبيًا في القرآن، أي ما يعادل 60% من الأنبياء، بحسب النص المقدم للنشر.
ولهذا فإن اليهودية في التصور القرآني ليست دينًا غريبًا عن قصة الوحي الإلهي، بل ترتبط بتاريخ طويل من النبوة التي يعترف بها الإسلام والقرآن.
ومن أكثر النصوص أهمية في هذا السياق قول الله تعالى:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾
(آل عمران: 113–114)
إن الجمع بين البر والقسط يقدم قاعدة يمكن أن تكون أساسًا للعلاقات المدنية بين أتباع الأديان الإبراهيمية.
«كلمة سواء» بدل حرب العقائد
قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾
(آل عمران: 64)
ويقول تعالى:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
(العنكبوت: 46)
وهنا يمكن أن يصبح الحوار الإبراهيمي امتدادًا معاصرًا لفكرة الكلمة السواء: لا إلغاء للآخر، ولا إكراه على العقيدة، وإنما اتفاق على مبادئ مشتركة تمنع الحرب وتسمح بالتعاون.
العهد وحرمة الإنسان
تقدم السنة النبوية نماذج عملية لهذه المبادئ. فقد ثبت في صحيح البخاري أن جنازة يهودي مرت بالنبي ﷺ، فقام لها، فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟»
وهنا يؤكد المعنى النبوي مع قيمة العهد في القرآن أن السلام لا يمكن أن يقوم دون احترام الإنسان والمواثيق.
أهل الكتاب في الحياة اليومية
لم يجعل القرآن العلاقة مع أهل الكتاب علاقة صراع فقط، بل أقر صورًا من التفاعل الاجتماعي.
قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾
(المائدة: 5)
إن هذه الآية تفتح مجالًا للحياة المشتركة، لأنها تتحدث عن الطعام والعلاقات الاجتماعية، لا عن مجرد التعايش النظري.
قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
(الحجرات: 13)
ويقول تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾
(الروم: 22)
ومن هذا المنظور، يصبح التنوع الديني والثقافي حقيقة إنسانية ينبغي تنظيمها بالعدل، لا القضاء عليها بالقوة.
العراق أرض إبراهيم ومركز للرجاء
إذ يمثل العراق نقطة التقاء كبرى في الذاكرة الدينية، فإنه يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه أرضًا تحمل هذه الذاكرة. العراق ليس مجرد جغرافيا سياسية حديثة؛ إنه بلد ارتبط بتاريخ الأديان والحضارات، وعاش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود والصابئة والإيزيديون وغيرهم.
ولهذا فإن استعادة الوجود اليهودي في الذاكرة العراقية والاعتراف بأن اليهود العراقيين جزء من تاريخ العراق الأزلي تمثل جزءًا من هذه الرؤية.
كما أن حماية الكنائس والأديرة، والمساجد والمراقد، والمواقع الإيزيدية والصابئية، والمواقع اليهودية المتبقية، يمكن أن تكون جزءًا من مشروع وطني واحد لحماية الذاكرة الدينية العراقية.
من العهد الديني إلى العهد الإنساني
هنا يمكن أن تتخذ «مسيرة الرجاء» معناها الأوسع. فالمطلوب ليس إنشاء عقيدة جديدة تقول إن اليهود والمسيحيين والمسلمين دين واحد.
المطلوب هو إنشاء عهد إنساني بين أبناء الأديان: عهد يحمي الحياة، ويحترم حرية العبادة، ويرفض الإرهاب والقتل، ويجرّم التحريض على الكراهية، ويحترم المواثيق، ويجعل المواطنة فوق الانتماء الطائفي.
وهذا العهد لا يلغي العقيدة؛ بل يحمي حق الإنسان في عقيدته.
المشكلة في توظيف الدين للعنف والتطرف
إن الشرق الأوسط لن يصل إلى السلام بمجرد الدعوة إلى الحوار إذا بقيت الأيديولوجيات التي تبرر العنف قادرة على استخدام الدين لتجنيد الناس وتمويل الجماعات المسلحة وتهديد الدول والمجتمعات.
ومن هنا يبين النص أن نظرية الولي الفقيه عندما تتحول إلى مشروع نفوذ إقليمي مسلح وسياسات تصدير الثورة، كما ينتقد التنظيمات والحركات السياسية مثل حزب الله وحماس والإخوان المسلمين عندما تستخدم الدين، بحسب طرح المنشور، لتبرير العنف أو لإلغاء الدولة والمواطنة والتعايش.
لقد دفعت المنطقة أثمانًا هائلة نتيجة الحروب باسم الدين وتمويل الإرهاب والتدخلات الإقليمية والصراعات الأيديولوجية.
والبديل ليس مجرد إدانة الماضي، وإنما بناء نموذج جديد يقوم على: دول قوية تحمي مواطنيها؛ قانون واحد للجميع؛ احتكار الدولة للسلاح؛ تعاون أمني إقليمي إبراهيمي ضد الإرهاب؛ تواصل بين رجال الدين؛ مشروعات مشتركة للشباب؛ وسياحة دينية وثقافية تربط المدن الإبراهيمية.
نحو شرق أوسط جديد
بهذا المعنى يمكن الانتقال من تصدير الثورة المتطرفة إلى تصدير السلام؛ ومن بناء النفوذ عبر السلاح إلى بناء النفوذ عبر التجارة والثقافة والتعليم والتنمية والتعايش.
الحركة الإبراهيمية: مساحة للحوار لا دين بديل
في هذا السياق يمكن أن تكون الحركة الإبراهيمية جزءًا من مسار أوسع للحوار بين اليهود والمسلمين والمسيحيين.
لكن نجاح هذا الدور يتطلب وضوحًا في نقطة أساسية: الإبراهيمية ليست بحاجة إلى أن تكون دينًا جديدًا حتى تكون وسيلة للسلام.
يمكن أن يكون اليهودي يهوديًا، والمسلم مسلمًا، والمسيحي مسيحيًا، ثم يجلس الثلاثة إلى طاولة واحدة؛ يتحدثون عن إبراهيم؛ ويتعاونون من أجل السلام؛ ويزورون دور العبادة؛ ويحمون التراث؛ ويرفضون الإرهاب؛ ويحاربون التحريض؛ ويتعاونون في الاقتصاد والتعليم.
هنا تتحول «الإبراهيمية» من شعار إلى ممارسة مدنية وأخلاقية.
شرق أوسط يجمع أبناء إبراهيم
الشرق الأوسط الجديد الذي يمكن أن يجمع أبناء إبراهيم هو الذي يستحق أن يُبنى: ليس شرق أوسط بلا دين، بل شرق أوسط لا يتحول فيه الدين إلى أداة لقتل الآخر.
شرق أوسط يستطيع فيه اليهودي أن يعيش بأمان، والمسيحي أن يحافظ على وجوده، والمسلم أن يمارس دينه، والإيزيدي أن يحمي هويته، والصابئي أن يحافظ على تراثه، وسائر المكونات أن يعيشوا كمواطنين متساوين.
فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى محو الهوية؛ يحتاج إلى حماية الهويات من دون أن تتحول إلى أسلحة للقتل.
إن مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يكون صراعًا بين أتباع إبراهيم، بل يمكن أن يكون مسيرة رجاء بين أبنائه. مسيرة تبدأ من العراق، أرض إبراهيم، وتصل إلى القدس، وتلتقي بمكة، ويكون اختلافهم مصدرًا للتعارف، لا ذريعة للدمار.
السلام الإبراهيمي يجمعنا. السلام للشرق الأوسط. السلام للإنسانية.
الحركة الإبراهيمية في العراق — أبو موسى العراقي


