السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيلمبادرة مستقلة للدبلوماسية المدنية
مبادرة مستقلة للدبلوماسية المدنية · الحوار · التواصل السياساتي · السلام الإقليمي
العودة إلى المنشورات →
الحركة الإبراهيمية في العراقتقدّمها السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيلThe Virtual Embassy of Iraq in Israel
Authorized for publication by The Abrahamic Movement – Iraq through The Virtual Embassy of Iraq in Israel
الحركة الإبراهيمية في العراق · بحث

الإرهاب الحوثي يضرب مكة والمدينة

بحث للعالم السني أبو موسى العراقي وبمشاركة الأستاذ المعلم توم ويغنر حول أمن مكة والمدينة والقيم الإبراهيمية ومواجهة التطرف وتوظيف الدين في الصراع الإقليمي.

بحث
النص المنشور

الحركة الإبراهيمية في العراق

كلمات العالم السني أبو موسى العراقي، وبمشاركة الأستاذ المعلم توم ويغنر

بحث تحت عنوان: الإرهاب الحوثي يضرب مكة والمدينة

إن تحقيق أهداف الوعد الإلهي الحقيقي يستلزم التمسك بمبادئ جدنا نبي الله إبراهيم ومشروع السلام، ومواجهة توظيف الدين في التطرف والإرهاب الذي تغذيه إيران عبر أذرعها في الشرق الأوسط.

لم تعد الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة مجرد فصل جديد في الصراع العسكري في المنطقة، بعدما اقترب خطرها من واحدة من أكثر المناطق قداسة لدى المسلمين: مكة والمدينة.

ومع التقارير التي تحدثت عن اعتراض طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة، يبرز سؤال يتجاوز حدود المواجهة العسكرية: ماذا يعني أن تتحول المنطقة المحيطة بمقدسات المسلمين إلى ساحة للصراع؟

إن الإجابة لا ينبغي أن تكون عسكرية فقط، وإنما دينية وأخلاقية وحضارية أيضاً.

فالقرآن ربط مكة بإبراهيم عليه السلام، وربطها بالأمن، كما ارتبطت قصة موسى بمواجهة فرعون والاستبداد واستضعاف بني إسرائيل. ومن هنا يمكن قراءة الأحداث الحالية من زاوية أوسع: هل يحتاج الشرق الأوسط إلى مزيد من توظيف الدين في الصراع، أم إلى استعادة القيم الإبراهيمية التي تجعل الأمن والسلام وحماية الإنسان أساساً للعلاقة بين الشعوب؟

مكة... دعاء إبراهيم بالأمن

مكة ليست مجرد مدينة في الوعي الإسلامي، وإنما هي موضع البيت الحرام الذي ارتبط بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

قال تعالى:

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾

(البقرة: 125)

وقال تعالى:

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾

(البقرة: 126)

إن كلمة «آمناً» هنا ليست تفصيلاً عابراً؛ فهي جزء من الدعاء الإبراهيمي لمكة. ولهذا فإن أي عمل يؤدي إلى ترويع سكان مكة أو زوارها أو تعريض الحجاج والمعتمرين للخطر يتعارض مع المعنى القرآني الذي ارتبط بالبيت منذ دعاء إبراهيم.

وقال تعالى:

﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾

(آل عمران: 97)

فكيف يمكن أن يصبح المكان الذي جعله القرآن موضعاً للأمن جزءاً من دائرة الصراع المسلح؟

والمدينة أيضاً حرم آمن

ولا تتوقف حرمة المقدسات عند مكة. فقد قال النبي محمد ﷺ:

«إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة...»

وبذلك أصبحت مكة والمدينة في الوعي الإسلامي فضاءين يرتبطان بالحرمة والأمن والعبادة. فالإسلام لا يعطي الجماعات المسلحة رخصة لتحويل المقدسات إلى ساحات حرب.

بناء إبراهيم للبيت يعني بناء السلام

هنا تبدأ العلاقة المباشرة مع المشروع الإبراهيمي. إبراهيم شخصية مركزية في الديانات الإبراهيمية الثلاث، ولذلك فإن استحضاره في الحوار بين المسلمين واليهود والمسيحيين لا يعني إلغاء الاختلافات العقائدية بينها، وإنما البحث عن القيم المشتركة التي يمكن أن تمنع تحول الاختلاف إلى كراهية وحرب.

وإبراهيم، وفق التصور القرآني، ليس رمزاً للحرب بين أتباع الأديان، وإنما رمز للتوحيد والعبادة وبناء البيت والدعاء بالأمن. ومن هنا يمكن أن يصبح الإرث الإبراهيمي أساساً للحوار، لا ذريعة للصراع.

موسى وفرعون... درس آخر في مواجهة الاستبداد

إذا كان إبراهيم يمثل في هذا السياق بناء البيت والدعاء بالأمن، فإن موسى يمثل مواجهة الاستبداد والاستضعاف.

يقول القرآن عن فرعون:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

(القصص: 4)

ثم يقول الله عن المستضعفين:

﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾

(القصص: 5)

وهنا تقدم قصة موسى قاعدة أخلاقية مهمة: الظلم لا يصبح عدلاً عندما يرفع الظالم شعاراً دينياً أو سياسياً.

من فرعون إلى التطرف والإرهاب المعاصر

تواجه منطقة الشرق الأوسط مشكلة تحويل الدين إلى أداة سياسية وعسكرية. فبدلاً من أن يكون الدين مصدر رحمة وأخلاق، تتحول بعض الجماعات إلى استخدامه لتقسيم الناس إلى مؤمنين وأعداء، ثم تبرير العنف ضد الطرف الآخر.

لكن القرآن يقول:

﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

(البقرة: 190)

ويقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾

(البقرة: 208)

كما يقول:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

(الحجرات: 13)

وهنا تبرز مفارقة واضحة: كيف يمكن لجماعة أن تتحدث باسم الدين بينما تجعل الترويع والقتل واستهداف المدنيين جزءاً من أدواتها؟

الحوثيون وإيران... البعد الإقليمي

لا يمكن فصل التصعيد الحوثي عن السياق الإقليمي. فقد وثقت تقارير دولية متعددة أشكالاً من الدعم الإيراني للحوثيين، شملت الأسلحة والتكنولوجيا والتدريب، وهو ما ساهم في تطوير قدرات الجماعة الصاروخية والطائرات المسيّرة.

الحركة الإبراهيمية... هل يمكن أن تكون جسراً؟

هنا تظهر أهمية الحركة الإبراهيمية المعاصرة. فالفكرة الأساسية للحوار الإبراهيمي تقوم على أن المسلمين واليهود والمسيحيين، رغم اختلافاتهم العقائدية، يستطيعون بناء مساحة مشتركة تقوم على التعارف، والحوار، واحترام المقدسات، وحماية الإنسان، ومكافحة التطرف، والتعاون من أجل السلام.

وهذا لا يعني أن الإسلام واليهودية والمسيحية أصبحت ديناً واحداً، ولا يعني إلغاء العقائد المختلفة، بل يعني أن الاختلاف الديني لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للحرب والكراهية. والإبراهيمية الحوارية مفهوم أوسع يتعلق بالتقارب بين أتباع الديانات الإبراهيمية.

والتحدي الحقيقي أمام المنطقة هو الانتقال من السلام الذي توقعه الحكومات إلى سلام يصل إلى المجتمعات والشعوب. فلا يكفي أن توقع الحكومات اتفاقيات إذا بقي المواطن العربي والإسرائيلي والمسلم واليهودي أسير خطاب الكراهية.

السلام المستدام يحتاج إلى علماء دين، ومثقفين، وشباب، وجامعات، ورجال أعمال، ومؤسسات المجتمع المدني، وحوار إسلامي يهودي مسيحي، وحماية دور العبادة والمقدسات.

وهنا يأتي العراق

فالعراق ليس مجرد دولة في الصراع الإقليمي؛ إنه جزء أساسي من تاريخ المنطقة الديني والحضاري. ومن أرض العراق ارتبطت الذاكرة الدينية بإبراهيم، والتاريخ الحضاري لليهود في بابل، ومنها خرجت حضارات كبرى أثرت في التاريخ الإنساني.

ولهذا فإن العراق يستطيع أن يكون جزءاً من الحوار الإبراهيمي من موقع مختلف: موقع البلد الذي يجتمع فيه التاريخ الديني والحضاري مع التحديات السياسية المعاصرة.

وإذا كان التطرف والإرهاب يحاول تقسيم المنطقة على أساس الدين والمذهب والقومية، فإن الحوار للحركة الإبراهيمية يمكن أن يقدم نموذجاً معاكساً يقوم على الاعتراف بالاختلاف مع رفض تحويله إلى حرب.

المعركة الحقيقية: الدين أم توظيف الدين؟

ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في كل القضية. المشكلة ليست في الدين؛ فالدين بالنسبة إلى ملايين البشر مصدر إيمان وأخلاق ورحمة. المشكلة تبدأ عندما تقوم جماعة أو دولة أو تنظيم بتوظيف الدين لإضفاء الشرعية على العنف السياسي والتطرف والإرهاب.

وعندها يتحول النص الديني من مصدر للهداية إلى أداة تعبئة وصراع وقتل. ولهذا فإن مواجهة التطرف لا تحتاج إلى محاربة الدين، وإنما إلى تحرير الدين من توظيفه في الإرهاب والكراهية، وهو برنامج الحركة الإبراهيمية لرفع الغطاء الديني المغلوط عن التشدد والتعصب والتطرف.

إن الهجمات التي تهدد أمن مكة أو المدينة تضع الشرق الأوسط أمام لحظة تستحق التأمل. فمكة التي دعا إبراهيم أن تكون آمنة، والمدينة التي حرمها النبي ﷺ، والقدس التي تحمل إرثاً دينياً عميقاً لدى أتباع الديانات الإبراهيمية، كلها ينبغي أن تكون أماكن للعبادة والسلام، لا ساحات للصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقصة موسى تعلمنا أن مواجهة الظلم لا تعني ظلم الآخرين، وأن الانتماء الديني لا يجعل الإنسان هدفاً مشروعاً للكراهية.

ومن هنا يمكن أن يكون المشروع الإبراهيمي جزءاً من الإجابة عن أزمة الشرق الأوسط: ليس باعتباره ديناً جديداً، ولا باعتباره إلغاءً للعقائد، وإنما باعتباره مساحة للحوار والتعايش بين المسلمين واليهود والمسيحيين.

إن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام واليهودية والمسيحية، وإنما بين ثقافة الترويع والكراهية من جهة، وثقافة السلام والحوار واحترام الإنسان والمقدسات من جهة أخرى.

وقد يكون الدرس الأهم من إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أن المقدسات لا تُحمى بالكراهية، وأن الدين لا يحتاج إلى الإرهاب كي ينتصر. إبراهيم دعا لمكة بالأمن، وموسى واجه فرعون، ومحمد ﷺ جعل مكة والمدينة حرماً آمناً؛ وبين هذه الرسائل يمكن أن يبدأ السلام.

السلام الإبراهيمي يجمعنا. السلام للشرق الأوسط. السلام للإنسانية جمعاء.

الحركة الإبراهيمية في العراق — أبو موسى العراقي

مصدر النشرنص مقدم مباشرة للنشر من الحركة الإبراهيمية في العراق