الحركة الإبراهيمية في العراق
كلمات العالم السني أبو موسى العراقي، وبمشاركة الأستاذ المعلم توم ويغنر
بحث تحت عنوان: أفضلية عاشوراء في اليهودية والإسلام
تحتل مكانة موسى عليه السلام وعاشوراء أهمية باعتبارهما حلقة في الامتداد الإبراهيمي، مع إبراز المحبة والبر والعدل بين المسلمين واليهود.
عاشوراء والجذور الإبراهيمية في اليهودية والإسلام
يبدأ الحوار بين الإسلام واليهودية من نقطة أعمق من مجرد التشابه بين بعض الشعائر، وهي الإرث الإبراهيمي المشترك.
الجذور الإبراهيمية: إبراهيم عليه السلام نقطة الالتقاء
يحتل إبراهيم عليه السلام مكانة مركزية في القرآن، ويقدمه الإسلام باعتباره إمامًا وموحدًا لله، بعيدًا عن التصنيف الديني الذي ظهر بعده. وإن الصلة بين إبراهيم واليهودية والإسلام تؤكد أن إبراهيم سابق تاريخيًا على هذه التسميات، وأن جوهر دعوته كان التوحيد وإخلاص العبادة لله.
ويقول القرآن:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾
(الزخرف: 26–27)
إبراهيم: أبوة روحية مشتركة
من إبراهيم جاءت سلسلة النبوة التي يلتقي عندها المسلمون واليهود في شخصيات أساسية، منها: إبراهيم، إسحاق، يعقوب، يوسف، موسى، داود وسليمان عليهم السلام.
وفي الإسلام لا يمكن الإيمان بمحمد ﷺ مع رفض موسى أو إبراهيم أو إسحاق أو يعقوب عليهم السلام.
قال تعالى:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾
(البقرة: 136)
وهنا تظهر أهمية عاشوراء؛ فموسى الذي ارتبط به هذا اليوم في الحديث النبوي هو جزء من السلسلة الإبراهيمية للأنبياء.
من إبراهيم إلى موسى: وحدة الرسالة
يمكن النظر إلى قصة موسى عليه السلام باعتبارها استمرارًا للعهد الإبراهيمي في الإيمان بالله ومواجهة الظلم.
فالقرآن يربط بني إسرائيل بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم يذكر سلسلة النبوة:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾
(مريم: 49)
ويقول:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾
(العنكبوت: 27)
وبذلك تصبح قصة عاشوراء جزءًا من قصة أكبر: قصة الإيمان الإبراهيمي بالله، والنبوة، والعدل، ومقاومة الطغيان.
عاشوراء: ذاكرة موسى في قلب الإسلام
عندما وصل النبي ﷺ إلى المدينة ووجد اليهود يصومون عاشوراء، سأل عن السبب. فأُخبر أنه يوم نجّى الله فيه موسى وقومه من فرعون، فقال:
«نحن أحق بموسى منكم»
فصامه وأمر بصيامه.
وهنا توجد دلالة مهمة للحوار الإبراهيمي: النبي محمد ﷺ لم يتعامل مع موسى باعتباره «نبي الآخر»، بل باعتباره نبيًا من أنبياء الله الذين يؤمن بهم المسلمون ويتسابقون إلى اتباع هديهم والتعريف بفضلهم.
وفي فضل صيام يوم عاشوراء، عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله»
(أخرجه مسلم)
وكان النبي ﷺ يحرص على صيام عاشوراء ويتحرى فضله. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم لفضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء».
والسبب متصل بالامتداد الإبراهيمي في الملة والنسب، وهذا يفتح مجالًا لاستعادة مفهوم الأخوة الإبراهيمية في بعدها الديني والأخلاقي.
الأخوة الإبراهيمية لا تعني إلغاء الاختلاف
الرجوع إلى الجذور الإبراهيمية لا يعني القول إن الإسلام واليهودية دين واحد بكل تفاصيلهما، بل يعني أن هناك إرثًا نبويًا مشتركًا يمكن أن يكون أساسًا للتعارف والحوار.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
(الحجرات: 13)
والتعامل مع الآخر يبدأ بالتعارف، لا بالتخوين والتعميم والكراهية.
المحبة والبر: التطبيق العملي للجذور الإبراهيمية
إذا كانت الجذور الإبراهيمية تجمع المسلمين واليهود في مساحة من الإيمان بالأنبياء، فإن القرآن يضع أساسًا أخلاقيًا للتعامل مع أهل الكتاب.
قال تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾
(الممتحنة: 8)
واللافت أن القرآن لم يكتفِ بذكر العدل، بل ذكر البر أيضًا.
ومن هنا يمكن صياغة الرسالة: إن العودة إلى الجذور الإبراهيمية لا تعني العودة إلى صراعات الماضي، وإنما العودة إلى قيم إبراهيم وموسى من توحيد الله والعدل والرحمة ومقاومة الظلم.
عاشوراء من مناسبة دينية إلى جسر للحوار
يمكن أن يصبح عاشوراء مناسبة لاستحضار ثلاث دوائر:
الدائرة الأولى: إبراهيم. رمز التوحيد والجذر الإبراهيمي المشترك.
الدائرة الثانية: موسى عليه السلام. رمز النبوة والحرية ونجاة المستضعفين من فرعون.
الدائرة الثالثة: محمد ﷺ. الذي أكد استمرار الإيمان بالأنبياء السابقين، وقال عن موسى: «نحن أحق بموسى منكم».
وبذلك يمكن أن يقدم الخطاب الإسلامي المعاصر عاشوراء بوصفه مناسبة للتأكيد على التوحيد، والأخوة الإنسانية، واحترام الأنبياء، والبر بالآخر، والعدل والسلام.
عاشوراء ليس مجرد مناسبة مرتبطة بالصيام، بل يمكن أن يكون نافذة لإعادة اكتشاف الجذور الإبراهيمية المشتركة بين المسلمين واليهود. فمن إبراهيم يبدأ المسار، ومن موسى تتجسد قصة التحرر من فرعون، ومن سيرة محمد ﷺ يظهر الاعتراف بموسى عليه السلام ونبوته والتعامل مع اليهود بالبر والعدل.
وهكذا فإن استحضار عاشوراء في العصر الحديث يمكن أن يكون دعوة إلى محبة الإنسان واحترام اليهودي باعتباره إنسانًا ومن أهل الكتاب، مع الحفاظ على خصوصية العقيدة الإسلامية ورفض الظلم والعدوان أياً كان فاعله.
محبة الخير والبر والعدل في الإسلام
الأدق فقهيًا وفكريًا أن نقول إن الإسلام يدعو إلى محبة الخير للإنسان والبر والعدل والإحسان، ولا يجعل الاختلاف الديني سببًا تلقائيًا للعداء.
قال النبي ﷺ:
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»
(متفق عليه)
ويمكن توسيع هذا المعنى أخلاقيًا في العلاقات الإنسانية: أن يتمنى المسلم للآخر السلام والخير والهداية والكرامة، وألا يظلمه بسبب دينه.
كما قال ﷺ:
«من قتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة»
(رواه البخاري)
وهذا تحذير شديد من الاعتداء على غير المسلم الذي له عهد وأمان.
السلام الإبراهيمي يجمعنا. السلام للشرق الأوسط. السلام للإنسانية جمعاء.
الحركة الإبراهيمية في العراق — أبو موسى العراقي


