الحركة الإبراهيمية في العراق
كلمات أبو موسى العراقي وبمشاركة الأستاذ المعلم توم ويغنر
بحث بعنوان: تحت راية إبراهيم: من تبوك إلى إسرائيل — نداء إسحاق لإسماعيل عليهما السلام
تفتح حادثة الطائرة المتجهة إلى دولة إسرائيل الصديقة، والتي انتهت بهبوطها في تبوك بعد محاولة السيطرة عليها وتنفيذ عمل إرهابي، سؤالًا يتجاوز الجانب الأمني إلى مستقبل الشرق الأوسط: هل تبقى المنطقة أسيرة العنف والخوف، أم تتحول طرقها وحدودها إلى جسور للتعارف والسلام؟ حين تصبح طائرة مدنية هدفًا لعمل إرهابي، تكون حياة الإنسان والبشرية نفسها هي المستهدفة. وفي المقابل، فإن إنقاذ الركاب والتعاون من أجل سلامتهم يقدم صورة مختلفة: الإنسان أولًا، والحياة قبل الصراع.
ومن هنا يأتي عنوان «تحت راية إبراهيم: من تبوك إلى إسرائيل» بوصفه دعوة إلى استعادة الأصل المشترك الذي يجمع أبناء إبراهيم، إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، وتحويل هذه القرابة الدينية من ذاكرة تاريخية إلى أساس للتعايش في الحاضر.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فإبراهيم في القرآن رمز للتوحيد والاستقامة، ومنه تتصل سلسلة إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وسائر الأنبياء. ويؤكد القرآن أن إبراهيم وإسماعيل لم يكونا رمزين للانقسام، بل نموذجًا لبناء البيت والدعاء للأمن والهداية.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ودعا إبراهيم فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.
وفي هذه الآيات يتجاور التوحيد مع الأمن، والعبادة مع عمارة المكان، والانتساب إلى إبراهيم مع الدعاء بحياة آمنة للناس.
بنو إسرائيل في تاريخ الوحي القرآني
ويقدم القرآن بني إسرائيل ضمن تاريخ الوحي بمكانة واضحة ومرموقة. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿وَآتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
ويرتبط تاريخهم في القرآن بسلسلة من الأنبياء والكتب والرسالات، وفي مقدمتهم موسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
كما يذكر القرآن نعمًا أخرى أُسديت إلى بني إسرائيل. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾. ويذكر إنجاءهم من فرعون، وشق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم؛ وهي وقائع تؤكد أن حضور بني إسرائيل في القرآن جزء من تاريخ طويل من النبوة والابتلاء والنعمة والمسؤولية.
والأهم أن القرآن يعترف بوجود أهل توحيد وصلاح بين أهل الكتاب. قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ويقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
وهذه الآيات تؤسس لمبدأ مهم في الحوار الإسلامي مع الإنسان؛ كما أن الإيمان الإسلامي نفسه يتضمن الإيمان بموسى وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان ويوسف وغيرهم من الأنبياء الذين ارتبطوا ببني إسرائيل. قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾. ولذلك فإن اليهودية ليست غريبة عن الذاكرة الدينية الإسلامية، بل جزء من تاريخ الوحي الذي يعترف به القرآن؛ وهذا المشترك قاعدة للتعارف دون إلغاء اختلاف العقائد.
الكلمة السواء ونداء إسحاق إلى إسماعيل
ويؤكد القرآن أن الرسالات السماوية، مع اختلاف شرائعها، تنتمي إلى أصل توحيدي واحد، ملة إبراهيم الحنيف. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾.
وهذه الدعوة إلى الكلمة السواء لا تعني إلغاء الفروق، بل البحث عن أرضية مشتركة للحوار والاحترام والتعاون. ومن هنا يمكن فهم «نداء إسحاق إلى إسماعيل» باعتباره صورة للتعايش بين أبناء إبراهيم؛ فالاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية أو إرهاب.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
فالتنوع فرصة للتعارف، والكرامة لا تُبنى على العرق أو النسب أو القوة، وإنما على التقوى والعمل الصالح. والسلام ليس ضعفًا؛ وضبط الغضب والامتناع عن الاعتداء يفتحان طريقًا لتحويل العداوة إلى معرفة، والخصومة إلى علاقة إنسانية أكثر اتزانًا.
إسرائيل والعراق وفكرة الشرق الأوسط الجديد
وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى دولة إسرائيل الصديقة بوصفها جزءًا مهمًا وأساسيًا من الواقع الجغرافي والسياسي والديني القديم في الشرق الأوسط، وإلى اليهود بوصفهم أصحاب هوية دينية وتاريخية ينبغي احترامها. وهذا ضروري لبناء خطاب سلام بعيد عن معاداة السامية.
ومن هنا تبرز فكرة الشرق الأوسط الجديد؛ فلا ينبغي أن يكون مجرد ترتيبات سياسية أو اقتصادية، بل تحولًا في علاقة الشعوب: من الخوف إلى الثقة، ومن الإرهاب إلى الأمن، ومن القطيعة إلى التواصل، ومن استثمار الدين في الصراع إلى استخدام القيم الدينية في حماية الإنسان.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
وتأتي اتفاقيات أبراهام والحوار بين الأديان ضمن هذا التحول، بينما تمنح الفكرة الإبراهيمية لهذا المسار بعدًا ثقافيًا ودينيًا يتجاوز الاتفاقات الرسمية.
أما العراق، فيمتلك موقعًا خاصًا في هذه الرؤية؛ فهو جزء من جغرافيا بلاد الرافدين المرتبطة بالذاكرة الإبراهيمية، ويمكنه أن يتحول من ساحة للصراعات الإقليمية إلى جسر للحوار بين أبناء إبراهيم. ومن هنا تأتي أهمية الحركة الإبراهيمية في العراق بوصفها ظاهرة تستحق البحث عندما تطرح إعادة اكتشاف المشترك بين الإسلام واليهودية والمسيحية وربطه بإرث إبراهيم وموسى وإسحاق وإسماعيل.
ويستحضر القرآن سياق قصة إبراهيم بقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ثم يذكر انتقاله إلى الأرض المباركة: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. ومن هذه الجغرافيا القديمة يمكن أن يبدأ تصور جديد لدور العراق حاملًا للذاكرة لا وقودًا للصراع.
حماية الإنسان وحرية العبادة
ويرتبط نجاح هذا المسار بوضوح مبادئه: رفض الإرهاب ضد المدنيين، ورفض الكراهية الدينية، واحترام اليهود والمسلمين والمسيحيين، وحماية حرية العبادة، وتشجيع الحوار والتعاون.
قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
فالسلام الإبراهيمي لا يتطلب من المسلم التخلي عن إسلامه، ولا من اليهودي التخلي عن يهوديته؛ وإنما الاعتراف بالآخر واحترام حقه في الحياة والكرامة والعبادة.
من تبوك إلى القدس: طريق للتعارف والتعايش
وبذلك يمكن أن تتحول حادثة الطائرة من صورة للخطر إلى درس للمنطقة كلها. كانت الرحلة متجهة إلى إسرائيل وكادت أن تتحول إلى مأساة، لكنها انتهت بالنجاة في تبوك. وبين تبوك وإسرائيل يمكن أن يمتد طريق آخر: طريق لا يحمل الإرهاب، بل رسالة مفادها أن وسائل السفر والحدود والعلاقات يمكن أن تكون أدوات وصل لا أدوات موت.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وهي قاعدة تصلح أساسًا للتعاون الإنساني بين الدول والشعوب، مهما اختلفت أديانها ومصالحها. وهنا يلتقي المعنى القرآني مع الرؤية الإبراهيمية: إبراهيم يجمع الذاكرة، وإسماعيل وإسحاق يجسدان القرابة، وموسى يفتح باب المشترك بين الإسلام واليهودية، والعراق يحمل ذاكرة بلاد الرافدين، وإسرائيل تمثل جزءًا أساسيًا من حاضر المنطقة ومستقبلها.
وإذا استطاع أبناء إسماعيل وأبناء إسحاق تحويل الذاكرة المشتركة إلى تعارف وتعاون، فقد يصبح الشرق الأوسط الجديد مشروع سلام حقيقيًا لا مجرد شعار سياسي.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
إن «نداء إسحاق إلى إسماعيل» في النهاية نداء إلى تجاوز منطق العداء: أن تبقى العقائد محترمة، وأن تُحل الخلافات بالحوار، وأن يُرفض الإرهاب، وأن يُنظر إلى اليهود والمسلمين بوصفهم شركاء محتملين في صناعة السلام لا أعداء أبديين. وتحت راية إبراهيم يمكن أن يمتد الطريق من العراق إلى إسرائيل، ومن تبوك إلى القدس، ومن ذاكرة الصراع إلى مستقبل يقوم على الحياة والتعارف والتعايش.
السلام الإبراهيمي يجمعنا. السلام للشرق الأوسط. السلام للإنسانية جمعاء.
الحركة الإبراهيمية في العراق — أبو موسى العراقي


