السابع من أكتوبر والشرق الأوسط الذي لا يزال علينا بناؤه
السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل والحركة الإبراهيمية

السابع من أكتوبر: الذاكرة ومسؤولية البناء
لا تزال أحداث السابع من أكتوبر 2023 جرحًا عميقًا في تاريخ إسرائيل والشرق الأوسط المعاصر. فقد أدى قتل المدنيين والهجمات على المجتمعات السكنية واحتجاز الرهائن إلى حزن عائلات ومجتمعات بأكملها. وبعد ثلاثة أعوام، تثير الذكرى أسئلة تتعلق بالتذكر والمساءلة والأمن، وكذلك بطبيعة المستقبل الذي قد تنبثق ملامحه من النزاعات المستمرة.
ويبقى السؤال: هل تستطيع مجتمعات الشرق الأوسط بناء علاقات قادرة على الصمود أمام العنف السياسي، من دون التفريط في هوياتها المتنوعة وتواريخها وتطلعاتها الوطنية المشروعة؟ وتمثل السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل والحركة الإبراهيمية نهجين متكاملين لاستكشاف هذا السؤال، يجمعان بين الدبلوماسية المدنية المستقلة والحوار بين الأديان.
وفي مقال مشترك نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم» (Israel Today)، عرضت السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل والحركة الإبراهيمية جهودهما المشتركة لبناء الثقة، وتشجيع الحوار بين العراقيين والإسرائيليين، وتهيئة الأرضية المدنية لتعاون إقليمي مستقبلي.
السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل: الدبلوماسية المدنية قبل العلاقات الرسمية
تعمل السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل بوصفها مبادرة مدنية مستقلة، وليست بعثة دبلوماسية رسمية. وتهدف إلى تشجيع الحوار وتبادل الأفكار والعلاقات الإنسانية بين العراقيين والإسرائيليين.
لا يقيم العراق وإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية، وما زالت بينهما خلافات سياسية وعوائق قانونية مهمة. غير أن غياب العلاقات الحكومية لا يلغي إمكان التواصل الفكري والثقافي والتاريخي والإنساني بين الأفراد.
تقوم الدبلوماسية المدنية على التمييز بين الاعتراف الرسمي والتواصل الإنساني. فالقرارات الدبلوماسية من اختصاص الدول ذات السيادة، بينما يمكن للمبادرات المدنية أن تتيح مساحة للنقاش العام والتبادل الأكاديمي والمهني والثقافي. ولا يعني ذلك افتراض أن التطبيع حتمي أو وشيك؛ فكل علاقة مستقبلية تتطلب عمليات سياسية مشروعة تراعي السيادة العراقية والمصلحة العامة.
الحركة الإبراهيمية: التراث الديني المشترك أساسًا للحوار
تتناول الحركة الإبراهيمية إمكانات المصالحة الإقليمية من خلال الدين والتاريخ والذاكرة الثقافية المشتركة. فاليهودية والمسيحية والإسلام تعترف جميعها بإبراهيم شخصيةً محورية، وإن اختلف فهم كل تقليد لإرثه الديني.
لا يمحو التراث المشترك الاختلافات العقائدية، لكنه قد يفتح أبوابًا للحوار. وتحظى بلاد الرافدين بمكانة في التقاليد المتصلة بإبراهيم، كما يقدم تاريخ اليهود العراقيين صلة تاريخية إضافية بين العراقيين والإسرائيليين.
أسهمت المجتمعات اليهودية على مدى قرون في الحياة الفكرية والتجارية والدينية والموسيقية والثقافية في العراق. ولا تزال عائلات عديدة في إسرائيل تحتفظ بذكريات وتقاليد عراقية. فالانفصال السياسي لا يمحو الذاكرة الثقافية، والحوار لا يقتضي التخلي عن الهويات.
حيث تلتقي الدبلوماسية المدنية والتراث الإبراهيمي
تركز السفارة الافتراضية على العلاقات المدنية والحوار حول السياسات والمصالح العملية، فيما تركز الحركة الإبراهيمية على الإيمان والتفاهم بين الأديان والتراث الثقافي. ويسمح هذا التكامل بمناقشة الأسس المدنية والفكرية لأي تواصل عراقي إسرائيلي محتمل في المستقبل.
ندرة المياه والضغوط البيئية والأمن الغذائي والطب والزراعة والطاقة والتكنولوجيا تحديات تتجاوز الحدود الوطنية. ويمكن بحث فرص تبادل المعرفة من دون الادعاء بأن الخلافات السياسية قد حُلت. فالتعاون العلمي لا يشترط تطابق المصالح، والحوار الثقافي لا يشترط الاتفاق اللاهوتي، والعمل الإنساني لا يقتضي نسيان المظالم التاريخية.
التذكر والمساءلة
لا تنفصل ذكرى السابع من أكتوبر عن واجب حماية الحياة والتحقيق في الجرائم وتحقيق المساءلة والاعتراف بمعاناة الضحايا. ويبقى الأمن ضرورة، لكن السؤال الأوسع هو كيف يمكن الحد من انتقال الخوف والعداء إلى الأجيال القادمة.
إن الاعتراف بالروابط التاريخية لا يحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ولا يقلل من معاناة الفلسطينيين وتطلعاتهم السياسية أو من المخاوف الأمنية الإسرائيلية. ويمكن للتذكر والسعي إلى التعاون أن يسيرا معًا، مع احترام الحقوق الإنسانية للجميع.
نحو بنية مستدامة للثقة
يمكن للعلاقات المستمرة بين الجامعات والباحثين والمؤسسات المهنية والمنظمات الثقافية والصحفيين والجماعات الدينية أن تفتح قنوات اتصال تتجاوز اللقاءات الرمزية. وتقوم قيمة هذه الصلات على الاستمرارية وإمكان إدارة الخلاف دون اعتباره عداوة دائمة.
تتطلب الثقة تبادلًا حقيقيًا ومساءلة واحترامًا للحقوق والتزامًا عمليًا. وقد يمنح التاريخ المشترك أسبابًا لبدء الحديث، لكن التعاون المعاصر يعتمد على المصالح الواقعية والشرعية العامة واحترام السيادة الوطنية.
الشرق الأوسط الذي لا يزال علينا بناؤه
لن يتطلب مستقبل إقليمي أكثر سلمًا أن يتخلى اليهود أو المسلمون أو المسيحيون أو العرب أو الإسرائيليون أو العراقيون أو الفلسطينيون وغيرهم عن هوياتهم وتواريخهم. وإنما يتطلب مؤسسات وعلاقات تتيح معالجة المصالح والخلافات بوسائل سلمية.
تقدم السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل والحركة الإبراهيمية مثالًا على كيفية الجمع بين الحوار المدني والذاكرة الدينية المشتركة، دون الادعاء بأن هذا العمل يحسم النزاعات السياسية.
تبقى ذكرى السابع من أكتوبر مهمة، وكذلك مسؤولية حماية المدنيين والاعتراف بحقوق الشعوب وتطلعاتها. والسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت شعوب المنطقة تتشارك تاريخًا واحدًا أو تصورًا واحدًا للمستقبل، بل ما إذا كانت تستطيع بناء ما يكفي من الفهم المتبادل كي لا يحدد العنف مصير كل جيل قادم.
